القاضي عبد الجبار الهمذاني

530

شرح الأصول الخمسة

باقيين ، ثم لا يجب أن يكون حادثا على كل حال بل إذا جرى مجراه كفى ، ولهذا لا فرق بين قولهم أجيئك إذا طلعت الشمس أو صحت السماء ، وبين قولهم آتيك إذا أمسك المطر ، وبهذه الطريقة التي ذكرناها أبطلنا قول ابن زكريا المتطبب في الوقت : إن الشيء لا يتقدم على غيره إلا بوقت ومدة ، وقلنا له : إذا كان لا يجوز التوقيت بالباقي حتى لا يسمع قول القائل أجيئك إذا السماء ، فكيف يصح أن يوقت بالقديم وهل هذا إلا الجهل المحض . ويقال له : - وإن كان الكلام عليه هاهنا كالعارض - لا يخلو الوقت عندك من أن يكون شيئا واحدا أو أشياء ، وإذا كان أشياء لا يتقدم البعض منها على البعض كانت الحوادث كلها واقعة في وقت واحد ، وأما ما يجري مجرى الوقت الواحد ، فلا يثبت فيها التقدم والتأخر ، وإن كان أشياء يتقدم بعضها على البعض ، كان يجب أن لا يتقدم بعضها بعضا إلا بوقت ، والكلام في ذلك الوقت كالكلام فيه فيتسلسل بما لا نهاية له ، وذلك محال . واعلم أن الموقت كالوقت في أنه ينبغي أن يكون حادثا أو ما يجري مجرى الحادث ، ولهذا يصح أن يجعل الوقت وقتا مرة ومؤقتا أخرى . بيان ذلك ، أن الإنسان ربما يقول : دخول زيد الدار حين طلوع الشمس ، وربما يقول : طلوع الشمس حين دخول زيد الدار ، فيوقت الأول بالثاني مرة ويوقت الثاني بالأول أخرى ، فيكون طلوع الشمس في إحدى الحالتين وقتا وفي الأخرى مؤقتا ، وذلك مما لا مانع يمنع منه . الميت والمقتول ماتا بأجلهما : وإذ قد عرفت هذه الجملة من حقيقة الأجل والوقت ، فاعلم أن من مات حتف أنفه مات بأجله ، وكذا من قتل فقد مات بأجله أيضا ، ولا خلاف في هذا . والدليل عليه ، أن الأجل ليس المراد به هاهنا إلا وقت الموت ، وهما قد ماتا جميعا في وقت موتهما . وإنما الخلاف في المقتول لو لم يقتل كيف كان يكون حاله في الحياة والموت ؟ فعند شيخنا أبي الهذيل أنه كان يموت قطعا لولاه وإلا يكون القاتل قاطعا لأجله وذلك غير ممكن ، وعند البغدادية أنه كان يعيش قطعا ، والذي عندما أنه كان يجوز أن يحيا ويجوز أن يموت ، ولا يقطع على واحد من الأمرين فليس إلا التجويز . وأما ما قاله أبو الهذيل فليس يصح ، لأن ذلك الأجل الذي لو لم يقتل فيه لبقي إليه أجل مقدر غير محقق ، فكيف يلزم أن يكون قاطعا لأجله والحال ما ذكرناه ؟ ولو